أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
237
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : يَغْشى قرأ حمزة والكسائي بالتاء من فوق ، والباقون بالياء من تحت ، وخرّجوا قراءة حمزة والكسائي على أنها صفة ل « أَمَنَةً » مراعاة لها . ولا بدّ من تفصيل وهو : إن أعربوا « نُعاساً » بدلا أو عطف بيان أشكل قولهم من وجهين : أحدهما : أنّ النحاة نصّوا على أنه إذا اجتمع الصفة والبدل أو عطف البيان ، قدّمت الصفة وأخّر غيرها . وهنا قد قدّموا البدل أو عطف البيان عليها . والثاني : أن المعروف في لغة العرب أن تحدّث عن البدل لا عن المبدل منه تقول : « هند حسنها فاتن » ولا يجوز : « فاتنة » إلا قليلا ، فجعلهم « نُعاساً » بدلا من « أَمَنَةً » يضعف بهذا ، فإن قيل : قد جاء مراعاة المبدل منه في قوله : 1477 - فكأنّه لهق السّراة كأنّه * ما حاجبيه معيّن بسواد « 1 » فقال : « معيّن » مراعاة للهاء في « كأنه » ، ولم يراع البدل وهو « حاجبيه » ومثله قوله : 1478 - إنّ السّيوف غدوّها وراوحها * تركت هوازن مثل قرن الأعضب « 2 » فقال : « تركت » مراعاة للسيوف ، ولو راعى البدل لقال : « تركا » . فالجواب : أن هذا - وإن كان قد قال به بعض النحويين مستندا إلى هذين البيتين - مؤول « معيّن » خبر عن « حاجبيه » لجريانهما مجرى الشيء الواحد في كلام العرب ، وأنّ نصب « غدوها ورواحها » على الظرف لا على البدل ، وقد تقدّم لنا شيء من هذا عند قوله : عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ « 3 » . وإن أعربوا « نُعاساً » مفعولا من أجله لزم الفصل بين الصفة والموصوف بالمفعول له ، وكذا إن أعربوا « نُعاساً » مفعولا به ، و « أَمَنَةً » حالا يلزم الفصل أيضا ، وفي جوازه نظر . والأحسن حينئذ أن تكون هذه الجملة استئنافية جوابا لسؤال مقدر ، كأنه قيل : ما حكم هذه الأمنة ؟ فأخبر بقوله : « تغشى » ، ومن قرأ بالياء أعاد الضمير على « نُعاساً » وتكون الجملة صفة له . و « مِنْكُمْ » صفة ل « طائِفَةً » فيتعلق بمحذوف . قوله : وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ في هذه الواو ثلاثة أوجه : أحدها : أنّها واو الحال ، وما بعدها في محلّ نصب على الحال ، العامل فيها « يَغْشى » . والثاني : أنها واو الاستئناف ، وهي التي عبّر عنها مكي بواو الابتداء . والثالث : أنها بمعنى « إذ » ذكره مكي وأبو البقاء وهو ضعيف . و « طائِفَةً » مبتدأ ، والخبر « قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ » ، وجاز الابتداء بالنكرة لأحد شيئين : إمّا للاعتماد على واو الحال ، وقد عدّه بعضهم مسوّغا ، وإن كان الأكثر لم يذكروه ، وأنشد : 1479 - سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا * محيّاك أخفى ضوؤه كلّ شارق « 4 » وإمّا لأنّ الموضع موضع تفصيل ، فإنّ المعنى : يغشى طائفة ، وطائفة لم يغشهم ، فهو كقوله :
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 102 ) . ( 4 ) انظر البيت في المغني 423 ، الدرر 1 / 76 .